۩۞۩۞ شبكة رونق الحرف ۞۩۞۩


زائرنا الكريم : انت غير مسجل في المنتدى او لم تسجل معلومات الدخول بعد فرجاءنا منك التسجيل اولا للمشاركة في المنتدى وان كنت تريد القراءة فقط فدونك اقسام المنتدى اهلا وسهلا بك...
يا ضيفنا لو جئتنا لوجـــدتنا ....نحن الضيوف وانت رب المنزل



آخر المواضيع






<div style="background-color: none transparent;"><a href="http://www.rsspump.com/?web_widget/rss_widget/twitter_widget" title="web widget">Twitter Widget</a></div>



استاذي القاص كاظم الاحمدي

شاطر
avatar
Admin
الاداريون
الاداريون

رسالة sms رسالة sms : نرحب بكم ياكرام

عدد المساهمات : 207
تاريخ التسجيل : 03/10/2009
الموقعhttp://adeladel.ahlamontada.com

حصري استاذي القاص كاظم الاحمدي

مُساهمة من طرف Admin في السبت 17 أكتوبر 2009, 4:07 am

انقل لكم هذا الموضوع حول كاظم الاحمدي استاذ اللغة العربية
الاحمـدي وفرقـة ابراهيـم جـلال المسـرحية
*خالد السلطان
-1-
في عام 2000 ارتأت فرقة ابراهيم جلال المسرحية تحويل رواية المرحوم كاظم الاحمدي (امس كان غدا) إلى عرض مسرحي، ولتنفيذ المشروع كان لا بد من اللقاء بدءاً بالأحمدي وطرح الفكرة عليه. وبالفعل ذهبنا الاستاذ كارين أرشبير وأنا إلى مقهى في العشار، يتواجد فيه الأحمدي على نحو شبه يومي. طرحنا فكرة المشروع، بخطوطه العامة، مع التوكيد على مفارقة العرض المسرحي لمرجعيته الروائية. وبالضد من توقعنا، أو بمعنى أدق بالضد مما قاله بعض الأصدقاء، بأن الأحمدي لن يوافق على المشروع إلا على وفق شروط سيمليها علينا.
استجاب الأحمدي لفكرة المشروع بتلقائية لا تخلو من حماس. وعندما قلت له بأن تحويل الخطاب الروائي إلى خطاب مسرحي معناه أننا بصدد خطاب يؤكد مرجعيته بدلالة مفارقتها. أجاب الأحمدي بما معناه، لك الحرية في الاشتغال على الرواية على وفق ما تريد إنجازه مسرحياً. منذ ذلك اليوم بدأت العلاقة الصميمة بيننا، أقصد أعضاء فرقة ابراهيم جلال المسرحية، والمرحوم الأحمدي. فكان يحضر، وعلى نحو شبه يومي “ البروفات” الأولى التي كانت تجريها الفرقة على نص صموئيل بيكيت “ في انتظار غودو”. وأذكر أنني سألته بعد الانتهاء من “بروفة” ثلاثة مشاهد من المسرحية عن ملاحظاته حول سلامة أداء الممثلين لغوياً. فأجاب ، رحمه الله، لقد شدني تمثيل الاستاذ كارين والدكتور مجيد الجبوري. ولم انتبه إلى السلامة اللغوية. بعد يومين على عرض المسرحية، في مهرجان الوفاء المسرحي الثالث، عام 2001، سلمني الاخ بهاء

حسن جودي رسالة من الأحمدي ضمنها رأيه في عرض مسرحية “في انتظار غودو” واطراء الأحمدي بالعرض المسرحي يمنعني من الحديث عما تضمنته تلك الرسالة، التي كتبها بخطه الجميل وفي ثلاث صفحات.
خلال اشتغالي على رواية “أمس كان غداً” مسرحياً ، كان الاحمدي - وبعد نقاش موضوعي هادئ- يوافق على قناعة تامة بالاضافات والحذوفات، بل كان- رحمه الله- يطلعني ودون تحفظ على الشخصيات “الواقعية” التي صيّرها - وبانزياح كبير- شخصيات روائية. وأذكر أنني أوضحت له، بعد سؤاله طبعاً، بإن إقفال المشهد الأخير في العرض المسرحي سيتضمن ، من حيث الفكرة، مغادرة العائلة الانكليزية بالتزامن مع صوت العقيد الركن عبد السلام محمد عارف وهو يقرأ نص البيان الأول لانقلاب 14 تموز، وفي خلفية المسرح تتواتر حركة هرولة أرجل تحتذي “البساطيل” العسكرية، وعلى ايقاع النشيد المصري الشهير “ الله أكبر”. وبعد سقوط النظام الصدامي، وخلال حديثنا حول الوضع العراقي، قال الأحمدي مسترجعاً فكرة ذلك المشهد بما معناه: إن التزامن بين رحيل العائلة الانكليزية ودخول الجزم العسكرية، هو استشراف لاحتلال القوات البريطانية للبصرة اليوم. لقد أسقط الأحمدي ، الذي كان منفعلاً جداً، رفضه للاحتلال على فكرة ذلك المشهد، فأجبته صادقاً بإنني كنت أقصد بأن الاعلان عن سقوط النظام الملكي - وبصوت العسكري عبد السلام عارف- هو اعلان أيضاً عن بدء حقبة هيمنة العسكر على الدولة العراقية.
-2-
شرفني المرحوم كاظم الأحمدي بالاطلاع على مخطوطات رواياته، نجيمات الظهيرة، وباتجاه القلب، والازلزماني، وعدد من قصصه القصيرة ومقالاته النقدية وتقويمه لعدد من الأدباء. فقد كان يطلق على الأديب محمود عبد الوهاب ، وباعتزاز كبير، اسم “الاستاذ أو استاذنا” وللأديب محمد خضير مكانة خاصة لديه. وكان رحمه الله شديد الاعجاب بمسرحيات المرحوم يعرب طلال ابراهيم، وكان معجباً بكتابات الاستاذ يعرب السعيدي النقدية، وللاستاذ إحسان السامرائي منزلة لدى الأحمدي غير عادية. وكان معجباً بشعر طالب عبد العزيز، وكتابات محمد جبير، وراغباً في الاطلاع على قصص الاستاذ وحيد غانم، غير المنشورة. وأذكر أنه قال لي منفعلاً، في ختام حوار خلافي بيننا حول كتاب سامي مهدي عن السياب، لو حظى كاظم الحجاج “بربع” الاهتمام النقدي الذي حظى به السياب لكان للحجاج منزلة أخرى اليوم. قال ذلك برغم “زعله” - وقتذاك- على الحجاج بسبب تقويمه للبعد السياسي لرواية نجيمات الظهيرة. وبرغم مشاكسات الدكتور رياض الأسدي للأحمدي، بيد أنه كان يهمس لي مبتسماً “إنه من تلاميذي”. وكان ، رحمه الله، يكن حباً أبوياً عميقاً لحفيده ، الذي اطلق عليه تسمية “الملك”، وكان يعني بها معتذراً عن الحضور للمقهى لأنه بصدد الذهاب لزيارة الملك أو بانتظار استقبال “الملك”.
الحديث عن المرحوم كاظم الأحمدي يطول ولا تتسمع له هذه العجالة التي اختمها ببعض ما دار بيننا في آخر لقاء، حيث سألني عن إمكانية اصدار جريدة سرية مقاومة لثقافة الاحتلال. اختلفنا حول تعيين مدركي “المقاومة” و”ثقافة الاحتلال” وأخيرا اتفقنا على أن جريدة “الأخبار” ستنشر أي مقالة يروم كتابتها لمقاومة الاحتلال سياسياً أو ثقافياً. لكن عمله في جريدة أخرى، توقفت عن الصدور بعد اعداد قليلة، وسع من شقة خلافنا حول موضوعة “المقاومة”. وفي أخر مهاتفة بيننا قال الأحمدي رحمه الله ان الاعتزال هو الموقف الأمثل إزاء المشكلات العراقية الراهنة. واعتقد - وهذا رأي شخصي- أن الاحمدي وضع أصبعه على الجرح، فما زال المثقف العراقي يهرول لاستجداء الصعود في قاطرة السياسي وإن كان الاخير أمياً.
هل كتب كاظم الأحمدي سيرته الذاتية؟
*محمود عبد الوهاب
غالباً ما يتجنب الكتّاب تدوين سيرتهم الذاتية خشية أو تواضعاً أو عدم اكتراث، وأكثر ما يكون ذلك عند الكتاب الذين يعيشون في بيئة مغلقة أو صارمة تتباين تقاليدها و “أحلام” الكاتب و”ثقافته”، وبسبب هذه “الرقابة” الجمعية الكابحة يلجأ عدد منهم إلى اتخاذ “الرواية” معبراً إجناسياً لكتابة السيرة وتفريغ ما هو “محظور” منها في شخوص الرواية وفضائها على أنه “متخيل” وهكذا يبقى المتلقي حائراً بين “واقع السيرة” و “متخيل” الرواية.
غير أن عدداً آخر منهم كتبوا سيرتهم الذاتية لكن لا أحد يستطيع أن يؤكد تماماً أن ما جاء فيها “حقيقي” و “صادق” ومن دون “تجميل” هنا وهناك سعياً وراء “التكيّف الاجتماعي” وإظهار “الذات” بمظهر “ المتقبل” للبيئة التي يعيشون فيها من دون اختلاف أو تعارض.
اذكر هنا، رولان بارت مثلاً في حوار أجري معه استفاض كثيراً بالحديث عن طفولته ومراهقته وصمتَ عن سنوات نضجه مسوّغاً ذلك بأن المراهقة هي المرحلة المثلى والفريدة للذاكرة حتى لفت انتباه محاوره الذي سأله عن صمته الغريب عن سنوات النضج.
وبورخس هو الآخر “احتفظ” بكثير من تفاصيل سيرته التي أملاها على (دي جيوفاني) - مترجم أعمال بورخس إلى الإنكليزية - من دون أن “يبوح” بها داخل سيرته معللاً ذلك بأنه لم يكن يرغب يوماً ما في كتابة نص طويل، ذلك أن النصوص الطويلة تفتقد إلى الشكل.
وكان هنري جيمس من أبرع الروائيين في إفساد خطة من يريد أن يتصدى لكتابة سيرته وكان يحذر الفنانين الذين تقدم بهم العمر “ أن يخلوا إدراج مناضدهم من محتوياتها، ويطمسوا كل ما يتصل بحياتهم الخاصة، فإن لم يفعلوا ذلك فإن النقاد وعلماء النفس والثرثارين قد يجدون بعض السنابل بعد الحصاد” وهو الذي أحرق مراسلاته حتى لا يترك وثيقة خاصة أو شخصية” تحت رحمة من ينشرون من بعدي أعمالي المطبوعة”.
إن ما يعانيه كتّاب الغرب عند كتابة سيرهم يرجع إلى اسباب خاصة، ذلك إنهم يحرصون على أن يحتفظوا ببعض أسرار حياتهم أما الكاتب العربي فإنه يعاني عند كتابة سيرته لأكثر من سبب.
أتساءل الآن بعد رحيل صديقنا الروائي كاظم الأحمدي: هل كتب الأحمدي سيرته الذاتية؟ هل كان يعتزم نشرها كما فعل عند نشر رواياته؟ أو أنه لم يكتب سيرته كما يفعل معظمنا؟ إن السيرة الذاتية للراحل كاظم الأحمدي ( إن وجدت) فإنها ستكشف كثيراً عن الغموض الذي اكتنف بداياته وتكوينه الثقافي والابداعي وستعين دارسي أدبه على فهم تحولات منجزه في القصة القصيرة والرواية إذ غالباً ما كان الأحمدي يتكتم على ذلك خشية أو تواضعاً أو عدم اكتراث.
الأحمدي على درجات
*محمد خضير
رحم الله كاظم الأحمدي، القصاص والروائي والمربي والصديق، فقد جعلنا الموت نستذكره ونستحضره، وكنا قبل موته نتذكره ونفتقده، بعد أن يغيب عنا أياماً وشهوراً. نلتقيه فجأة ثم يختفي، وكانت بين حضوره وغيابه درجات من الرضا والغضب، والسؤال والجواب، والعافية والذبول، حتى جفّت الدماء في العروق، وختمت سلسلة لقاءات متقطعة، كما تختم نهاية رواية لم نكن نعرف ما خاتمتها وما طولها.
أتذكر إني التقيته لمحاً بعد صدور مجموعة قصصه الأولى (هموم شجرة البمبر) عام 1975 طافحاً بالبشر والكبرياء، ثم التقيته جليساً في المقاهي سريع الانفعال، ثم رأيته جوالاً في الأسواق صبوراً على أعباء الأسرة والحياة، ثم زاهداً بطاقية وعكاز، ثم رأيته واهناً بإبرة وريدية مشكوكة في كفه. كان سابحاً ضد تيار زمانه الجارف، مرتقياً سلّم الأدب عكس اتجاه حياته النازلة، فزاد رصيده القصصي ثلاث روايات في أعلى درجات عسره ومرضه حرجاً وارتفاعاً.
هكذا سارت أوقاتنا على درجات، كما سارت رواياته الثلاث الأخيرة على مراحل من الاستذكار، ففي تلك الأوقات التي سجلت ساعته البيولوجية هبوط نبضه حتى الصفر المحتوم، تصاعدت ذكرياته عن أبطاله الذين تركهم وراءه في أسفل السلّم بانتظار خاتمة أقواله في الأعلى. إننا نجاري في استذكاره اليوم طريقته في كتابة هذه الروايات: تناقل الأقوال من أمس الأفعال، وانجرافها اللفظي البطيء ( باتجاه القلب) الواقف عن الحركة. نقف اليوم مع بطله (عقيل) في قعر السلّم ، لا يتناهى إلى أسماعنا من جهة مؤلف الأقوال إلا رفرفة جناح اختطف الروح الصاعدة ، بلا قول أو كلام.
في أول السلّم كان (عقيل) أو (أوتللو العراقي) صبيّ الأمس الذي تلقى من زوجة مدير معمل النجارة الانجليزي أسرار الجسد وهواجس الانقسام بين الطاعة والتمرد. ثم ارتقى (أوتللو) المنقسم درجات حتى جمع أوصاله في شخصية ثائر من جيل الرابع عشر من تموز، وما زال هذا الشاب في رقيّه حتى انقسم ثانية بين حبيبته وعائلته والسلطة المستبدة، وصار محوراً لعدد كبير من الأقوال التي تلوكها عجائز محلة (المعقل) وجلساء المقهى وأفراد الشرطة. أما قرينه الروائي، الصاعد مثله في ثلاثيته الروائية، فيناله الجهد الجهيد لنقله هذه الأقوال من أمس المكان والزمان إلى مستقبل (الحروف الخمسة) التي بنيت عليها رواية (تجاه القلب)، بلا تعديل أو تأويل، إلا ما تقتضيه لغة الرواية القائمة على النقل والاسناد. ( نلاحظ استفادة الأحمدي من تقنية نقل الأخبار في التراث واسنادها إلى رواة متتابعين، من مثل: قال فلان عن فلان، أو سمعت فلان يقول..الخ). وإذا ما صحّت قراءتي لثلاثية الأحمدي الروائية، فإني أبشّر هنا بولادة خطاب (رواية الأقوال) talking fiction مقابل خطاب (رواية الأفعال) acting fiction وتطوير تقنياتها الحوارية الموروثة من خطاب المقامات والسير الشعبية.
سأجاري أيضاً طريقة الأحمدي في إجراء حوار رواياته، فأنسب درجات من تخاطب شخصياته إلى نفسينا اللتين تلازمتا طويلاً في مدينة واحدة، وتحاورتا حتى كلّتا وافترقنا. أذكر أن حواراتنا الفعلية حين اللقاء كانت تجري على درجات من البوح المبتور، فكأننا نحاكي حواراً روائياً ورد في رواية (تجاه القلب) بهذه الكلمات:” حقاً وأنت حقاً.. لقد كنتُ اعتقد بأنني.. ربما، كيف يمكنني أن أقول، إنني.. لا امتلك الجرأة .. حتى..” ص52
لا بدّ إننا كنا نختتم حديثنا المتواصل على رصيف الشارع، ساعات طويلة، بهذا البوح الذي لا يؤدي إلى فهم مشترك لحياتنا الاجتماعية والسياسية ولأدبنا القصصي المحمول على الظن والتكتم والاستنتاج الخاطئ أكثر من حمله على القراءة المتأنية والتحليل الدقيق والمكاشفة الصريحة. باعدَ بيننا الحوار المبتور، ثم الموت الصامت،ثم الاستذكار المتدرج لسيرة صاعدة بدأب وكبرياء، وما زلتُ بانتظار أقواله في قعر السلّم. كان صلداً ، جلداً، صارماً، ثم حنوناً، متآخياً، كريماً، ثم مستسلماً لقدره القريب من وريده، ثم راحلاً بعيداً، وعلى كل هذه الدرجات كان أديباً مثابراً لا يشق له غبار، وليته سمح لي أخيراً بإضافة صفة نهائية لا نزاع عليها قبل الوداع الأخير.
من اجل "كاظم الأحمدي
لانني لا اتمكن من التوقف للموت ؛ توقف الموت لي.
اميلي ديكنسون
*جاسم العايف
ترى أكتب علينا أن نحدق دائما ، بالإحياء منا، ونتصرف معهم ونتعرف عليهم، قبل أن يغدو أمواتا ،أعلينا أن نستكين لتصورات ورؤى وأحلام غير قابلة للتحقق لننفي عبرها واقعة العدم التي تحاصر وجودنا البشري منذ الأزل ؟. وهل علينا أن نصبح نادمين على فرص منحتها لنا لحظات،مؤقتة ، لم نمسك بها ، ومرت بنا دون أن نتمكن من التعرف عليهم ، بدقة ، والاستزادة من معارفهم وحنانهم وإمكاناتهم ؟. وهل على الذاكرة أن تنشط دائما لتعاين الراحلين بصفتهم أحياء..؟ خاصة أولئك الذين أبقوا ما يجعلهم دائما بيننا..أبقوه بصفته إبداعا ، موقفا ، سلوكا ، حنانا، مرافقا لنا في يوميات حياتنا المشرعة على الغياب، وذاكرتنا المملوءة بما خلفوه لنا من ذلك أو بعضه، ليكونوا،بالنسبة لنا ، قد تجاوزوا انقضاض طائر الموت الذي نثق انه مهيأ لان ينقض ذات لحظة ما.. لعلها لم تكن بالحسبان.
متى عرفت "كاظم الأحمدي"؟. راودني هذا السؤال بعد اللحظة التي هاتفني فيها الأستاذ "رياض عبد الواحد" صباحا ناقلا ليّ موت كاظم ليل1/7.
تيقنت في تلك اللحظة أنني عرفته خلال التردد الدائم على "المكتبة الأهلية" في البصرة القديمة ،أواخر ستينيات القرن الفائت، و توطدت العلاقة بينه وبين الراحل الشاعر "مصطفى عبد الله" وبيني عام 1972 عند جلوسنا شبه اليومي في مقهى ((أبو مضر)) أو ما سميناه بـ ((الدكة)) لابد من لقاء ما للحديث عما يجمعنا .. الهموم الثقافية آخر القراءات وختامها القصة أو الرواية ثم التطرق إلى الوضع العام وشجونه..وكان لكل منا تقديراته وأحكامه.. و التوجه نحو الكورنيش للنزهة عصرا والجلوس هناك ومواصلة الأحاديث دون ملل، ثم الانسلال إلى "نادي الفنون" ،في الغالب كان كاظم لا يحبذ ذلك و يذهب بحكم التزامات عائلية لأسرة صغيرة تعاني من ضيق اقتصادي، ومصاعب ومشقات بداية عقد السبعينيات ، وترافق ذلك مع المرحلة الأولى للتكوين الأسري لكاظم.. كنا مصطفى وأنا نَطّلع أولا بأول على ما يكتب من قصص..وأمانة كان مصطفى قارئا حريصا ودقيقا ومخلصا جدا لكاظم.
في مكابدات النشر كان كاظم يبدو مأزوما..حيث لم تكن في ذلك الوقت الاشتراطات الأساسية للجودة الفنية، لمن لم يكن معروفا.. و ثمة مسوغات أخر للنشر في الصحف والمجلات الحكومية.. وربما غير الحكومية على قلتها .. مسوغات واشتراطات كم تبدو تافهة وضيقة الأفق ألان..وأضاعت فرصا مخلصة لتغيير نوع وشكل الخارطة القصصية والثقافية في العراق، مسوغات يقف في مقدمتها التخندق والاصطفاف والـ"عراك" الحزبي الشديد ،الفائض عن الحد الإنساني المعقول ، كان ذلك يسم حياتنا أو بالأدق يسممها..كم تبدو تلك الأيام عصية على النسيان.. مع إن ما ولد من رحمها كان أكثر مرارة واشد قسوة وغلظة وفجيعة..
بدا كاظم يعد العدة لنشر مجموعته الأولى،"هموم شجرة البمبر"، صمم غلافها الفنان شاكر حمد ، قدم المخطوطة أولا لدائرة الرقابة، قبعت هناك لفترة، ثم اُخبر بأن عليه أن يحذف منها بعض القصص خاصة في القسم الثاني المؤرخ بقصص عام 1974 ، كان القسم الأول يحتوي قصص عام 1973 ، استجاب لذلك ، وعند تقديمها إلى وزارة الإعلام، حيث لم تكن ثمة وزارة للثقافة حينها، تم إفادته بمبررات واهية لعدم نشرها، فطالب بالتعضيد فحصل على الموافقة بعد ترشيقها ،أيضا ، من بعض القصص ، وحصل على نصف كلفة الطبع البالغة 150 دينارا،وكان هذا المبلغ كبيرا ، في ذلك الوقت،طبعها في النجف وفي مطبعة الغري الحديثة التي تؤول ملكيتها لعائلة السيد حميد المطبعي، فصدرت عام 1975 . مع اشتداد التسلط مورست ضغوطات شتى على الجميع، و كاظم الأحمدي واحدا منهم، ضغوطات تتعلق بالموقف والوظيفة والنشر وحتى الحياة ؟ . هل كان كاظم يشكل خطرا شديدا تجاه النظام، لمواجهته تلك المواجهة وممارسة تلك الضغوط الشديدة عليه!؟. أم إنها عقلية السلطة القامعة، التي ترى في كل من ينفرد عنها، بعيدا حتى عن الطرف الآخر ، عدواً لها،أو غنيمة يجب استباحتها دون ترك الكاتب والمثقف والفنان يتمتع باستقلاليته واختياراته وخياراته السلمية، الحرة المستقلة!؟. أنى لسلطة غاشمة أن تقنع بتلك القيم..؟ وأنى لأفرادها والمتحكمين بمفاصلها تلك التوجهات؟. وهل كان من الضروري أن يتحمل الإنسان تلك الضغوط المتواصلة ، في حياة تعاش لمرة واحدة ؟. وهل قدره أن يظل بين المطرقة والسندان متوترا مشدود الأعصاب ، مأزوما، بما سيؤول إليه مصيره على الدوام؟
حاول كاظم في رواياته"أمس كان غدا"،" نجيمات الظهيرة"،"تجاه القلب"، و روايته التي لم تطبع " قصر الالزماني" أن يقدم سجلا سرديا روائيا للتاريخ العراقي وتحولاته العاصفة منذ 14 تموز 1958 حتى تموز 1968 . دأب أخي كاظم على إهدائي جميع ما اصدر وكانت كلمات الإهداء، أشبه برسائل سرية، ملغزة، لها علاقة بالزمن والوضع العام، معتمدا على قراءتي الخاصة وتأويلي للإهداء. مجموعة ما كتب لي ضمن ما كتب "... فأنت تعلم عني ، ما لم يعلمه غيرك" كان ذلك بتاريخ 1 / 1 /1977 ، وأخرى كتب لي في نهاية الإهداء".. في زمان نحتاج فيه للذكرى لكي نكون احياء" والتاريخ كان 22 /5 /1996 ، وفي "نجيمات الظهيرة" كتب لي ".. أنها تلك "النجيمات" التي خبرناها معا في زمن ما.. ". وألان يا أخي كاظم كم تبدو تلك الـ "نجيمات " بسيطة، مع شدتها وغلظتها ، أمام الذي حصل للجميع بعدها..!؟. كما أهدى كاظم مطبوعه الأول للسيدة زوجته بصفته"أولى الثمرات" و بعد أكثر من 25 عاما مع الكتابة والحياة المشتركة ، والكد والكدح المتواصل، عاد ليهدي السيدة زوجته روايته الأخيرة كاتبا لها في الإهداء-:" ثانية ؛ قبل الشيخوخة"، إلا إن طائر الموت لم يدعه يدرك معها ذلك الحلم. في مقدمته لمجموعته" شواهد الأزمنة" اختزل "كاظم الأحمدي"، في الكتابة، كل ما شعر به و خضع له ، خلال حياته وبعض تحولاته والتي حاول أن يجد لها المبررات الشخصية العلنية وبمكابرة وثقة، تبدو ليّ فائضة عن الحد أحيانا ، عندما ذكر انه لا يطلب شيئا لكتاباته سوى أن ترى النور كاملة، دون أن تشعر بالخوف ولأنها تحمل حملها يكفيها النور وحده. تُرى أتحقق له ذلك في كل ما نشر؟. وما الذي يراه في الدوافع التي كانت تكمن خلف ما مُنع من النشر بحجج شتى ؟. قبل وفاته بأسبوع ،في زيارة له في منزله ، و بصحبة الأستاذ "جميل الشبيبي" ، كنت راغباً في أن احصل منه على جواب حول تلك المسألة ، وفي الزمن الماضي بالذات ؟. إلا أن اللقاء ألحميمي و استعادة بعض تفاصيل حياة نائية بكل أحمالها ومناكداتها وخيباتها وأثمانها المفجعة، والانشغال بوضعه الصحي ،كان حينها مُطَمئناً بعض الشيء ، كل ذلك فوت عليّ فرصة التحقق منه حول ذلك..غير إن السؤال يا((أبو ضُحى))لازال قائما.. مع يقيني بعدم حصوليَ،بعد آلآن،على جوابه منك!!.
إضـاءات
*حميد مجيد مال الله
انها محاولة لمقاومة ذلك الذي لا يقاوم، الذي حيّر الفلاسفة والبسطاء، فخلقوا يوتوبيا معاكسة له، ويجدون في استكشاف سواها، شأنه شأن الكتاب المتنورين، يثبت وجوده بتحرير الجديد ضمن الجنس الادبي الذي استقر عليه، كاظم يروي... كاظم موجود. طالبة دكتوراه من جامعة الموصل اختارت قصصه ورواياته اطروحة لبحثها الاكاديمي هذا العام - هذا المرة الاولى التي تتبوأ نتاجاته فيها هذه المكانة في الدرس الاكاديمي حسب متابعتي - تعامل مع الطالبة بأبوية عالية، وفر لها المصادر، ولبّى طلباتها في اتصالات هاتفية متواصلة، وارشدها الى مصادر عما كتب عن نتاجاته، وحين أبدت رغبتها في مقابلته، تعهد لأسرتها باستعداده لتضييفها والاقامة في منزله مع عائلته.
عندما أهداني الاحمدي روايته (تجاه القلب) كتب في الصفحة الأولىالاستاذ حميد مجيد مال الله... زيارتك طمأنت قلبي... أرجو ان يكون عملي الجديد دليلاً ثابتاً على الودّ والمحبة 2008 كاظم الاحمدي) لم يدوّن تاريخ اليوم ولا الشهر.
انهيت قراءة الرواية بنفسها الطويل، وعدته قبل رحيله بيومين، نهض من رقدته وجلس جنبي، جسمه قد هدّه المرض، ووخز (الكانونه) ترك آثاراً على ذراعيه، وهو جالس وقنينة الدم رقم 80 تقطر محتوياتها في انبوبة مغروسة بلحمه، لاحظت الارهاق ومغالبة الالام، رجوته ان يستلقي... استذكرنا معاً ملامح اسلوبية في (الرواية) منها: تواصلها مع ثنائية سابقة لها. المكان الذي لم تغادره نتاجاته غالباً (ميناء المعقل) منذ ان رصد حارس رصيف الميناء حادث (إعدام) نفّذ ضد اثنين من السياسيين اليساريين في قصة (هموم شجرة البمبر) … تدخل الكاتب بتصريحه وملاحظاته التقنية ضمن البناء الروائي، وتوقعاته عن ردود وتفسيرات المتلقي (القارئ) ومقارباتها الحداثية، ومهيمنة (قطع الحواريات) كانعكاس لقلق وتوتر وتأزمات سرائرية لاتجد من ينصت اليها..غادرته بعد مكوثي حوالي ربع الساعة.. لاحظت توقداً وانتعاشاًَ على محياه وفي كلامه... زاد ألمي لأنني اعرف سر مرضه...
المكان: دكة بقايا مسناة لنهير مطمور، كنا نجلس عليها، نتسامر الى وقت متاخر من الليل قرب بيوتنا، على مسافة من مستشفى البصرة، يجالسنا أدباء، فنانون، أصدقاء: الدكتور سلمان كاصد، الفنان قاسم علوان، الاستاذ علي مطر.. يكرر دائماً: هل سيتذكرنا أحد اننا جلسنا هنا..؟
نعم سيتذكر الادباء والقراء ما قاله السارد الاول على ألسن رواة قصص وروايات الصديق العزيز الراحل كاظم الأحمدي، الذي بقيت اجهل اسم ابيه حتى قرأته على قماشة النعي السوداء.
* * *
ـ مطلع شبابه كان من الناشطين في الاتحاد العام لطلبة العراق بعد ثورة 14 تموز 1958 وساهم في (المسرح المدرسي)بثانوية المعقل، من زملائه في النشاط الكاتب الدرامي الاستاذ عادل كاظم.
ـ شن اللواء مزهر الشاوي حملة لتصفية اليسار في محيط دائرته ومنطقة المعقل في الستينيات، وطالت عددا من الشباب منهم الفقيد حيث اتهمه وأصدقاء له بمحاولة القيام بعمل تخريبي مسلح..!
ـ سادت هذه التهمة، وتهم العثور على مخططات “كذا” في تلك المرحلة - ساق التهمة ضابط شرطة رصد المجموعة قرب نهر فرعي في المعقل مساء حيث يقضون امسيتهم، وطلب حاكم التحقيق من الدورية احضار السلاح كمادة ثبوتية، أدعت الدورية ان الشباب ألقوه في النهر، فأصر الحاكم على اخراجه منه، الا ان الضابط عجز عن الاستمرار في فبركة تهمة مبيتة للايقاع بالشباب الذين قرر حاكم التحقيق براءتهم واطلق سراحهم.
ـ اثر الانقلاب الدموي في 8 شباط 1963 اعتقل تحت طائلة البيان رقم 13 المشؤوم القاضي بإبادة الشيوعيين والذي حمل توقيع المجرم العميل رشيد مصلح، ووضع في أشرس وأفظع معتقل هو مقر الحرس القومي المجرم في (نادي الاتحاد الرياضي) بالعشار مع عدد كبير من المعتقلين... من ذكرياته في هذا المكان الرهيب انه كان يقوم بإسعاف الصحفي الاديب جاسم المطير بعد كل وجبة تعذيب يتعرض لها حدّ الإغماء..!
ـ تمت ملاحقته أيام النظام البعثي الفاشي بعد إعدام اثنين من اشقائه، وحرم من ممارسة مهنته (التدريس) بنقله الى احدى الدوائر بوظيفة كتابية (في المكتبة العامة) تحت رقابة بوليسية مشددة.
ـ قدّم طلبا للحصول على مقعد دراسي (للماجستير) رفضت (لجنة السلامة الفكرية) في مديرية تربية البصرة طلبه.. كما اصدرت تعميماً بسحب روايته (أمس كان غداً) من مكتبات المدارس ومنع تداولها، فآثر إحالة نفسه على التقاعد تخلصا من قيود بوليسية كبلت العاملين في الحقل التربوي.
ـ انتقائي في صداقاته، يؤثر الادباء من جيل الشباب، مرة عرّفته على أدباء شباب من الناصرية، تبيّن انهم التقوا به في مدينتهم، في مقاهيها الادبية، عندما كان يزور بيت ابنه الطبيب الجراح صلاح اثناء عمله هناك.
ـ في السبعينات كان من المترددين على مقهى (ابو مضر:الدكة) في محل لبيع المواد الانشائية يعود للاديب جاسم العايف. ويلتقي فيه عدد من الادباء في منطقة الجمعيات ..وفي الاعوام الاخيرة اعتاد الالتقاء بجوقة من مثقفي المدينة في مقهى قديم على امتداد أم البروم ،وفي مكتبة الشاعر احمد العاشور . وقرب الاخ ناصر( ابو علي) بائع الصحف وصديق الادباء .
- كان رحمه الله كثير الاعتزاز بأساتذة اجلاء درسوه ، منهم القاص الرائد استاذنا ،محمود عبد الوهاب ، والاستاذ الدكتور عمر الطالب.
-مربي احب مهنته وطلبته، درس (اللغة العربية) في مدارس عديدة آخرها (اعدادية البصرة)جعل من تربيته لأبنائه انموذجا بعد أن انهوا دراساتهم باختصاصات الطب والصيدلة والهندسة المعمارية ...كان يردد في ايامه الاخيرة أنا وانت أنهينا واجبنا...
(الكـردوالـه)
د. رياض الأسدي
في ذلك المساء الرطب من نيسان قرر الكاتبان المحترفان تقاسم أرشيف منطقة (ماركين)(1) بينهما في تعاقد سرّي قل نظيره- من اجل التوصل إلى أفضل طريقة لعرض تاريخ الجمال والبؤس في المدينة التي تشبه قعر حذاء طنبوري. لم يكن الأمر سهلا على أية حال وكما يظن أولئك الذين قسموا البصرة إلى أرباع وأرباض، حيث جلس معقل بن يسار بين بطون القبائل من قيس وأسد وتميم وثقيف وهوازن ومعيد ومذحج.. ووضع كل قوم في معسكر خاص بهم، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك فأقره وعظم صنيعه على أن لا يستقر العرب كفلاحين بل كمقاتلة في الأرض المفتوحة: هكذا بقيت كلمة معقل قائمة منذ 1400 عاما وأصبح العرب بعد ذلك فلاحين وعبيدا وعمال وتابعين وأقنان وخارجين عن سلطة الأمير، وفرق ومذاهب وجماعات سرية.-
لم تحب العرب إلى هذه الدرجة وهم ما هم عليه من خور وطيحان حظ؟-
لأنهم أهلي!-
كلّ العرب أهلك؟ يا لك من دعي!-
ستكتشف ذلك يوما أيها الكاتب-
أأنت اعرف مني بنفسي؟!
واكتشف ذلك بنفسه على حين غرة . فكانت اللغة العربية ملاذه وكهفه. لكلّ منا عروبته على أية حال. هكذا بدا يردد في سنيه الأخيرة وهو يتصفح كتاب ماركين. ولم تكن ماركين المصحفة عن كلمة معقل غير واحدة من الخلافات القبلية القديمة التي ورثها الكاتبان. وكان الكاتب الأصلع كاظم يرتدي بلوزة حمراء ويمسك كتابا عن ليون تروتسكي بعد أن أنهى كتابا قديما عن قضية الأرض في روسيا ودور(الكولاك)(2) فنشب خلاف جديد حاد بينهما عما إذا كان من الضروري قراءة قضية الأرض في العراق للخضيري التي لم تترجم عن الإنكليزية او البحث عن كولاك روسيا؟ وكان السؤال: ما الضير في أن يكون الإنسان موروثيا وحديثا محليا وعالميا مرتبطا بأمته وإنسانيا في آن؟ ابتسم الكاتب الشاب قليلا ثم قال: علينا أن نكتب ذلك العقد في دائرة التسجيل العقاري للكتابات الجديدة ليكون (تابو) لكلينا. وحينما مر الكاتبان من منطقة كانت تدعى (الكردواله) اختلفا في أحقية من يكتب عنها أولا؟ كلاهما لم يكتبا طوال ثلاثين عاما.
اقتسمنا الأرض
اقتسمنا الزمن
لكننا لم نقتسم الموت
وهنا مكمن القضية اجلس الجد حسوني (صانع نجار) حفيده من أبنته أمام سرج الدراجة الهوائية الصفراء الحكومية التي كتب عليها بخط أسود كبير كلمة: "ميناء" بنون طولية تشبه سفينة مبحرة إلى لا نهاية، وقد وضع الطفل الصغير على مخدة معقوفة لكي لا يؤثر قضيب الحديد على عجيزته الطرية. أوقف الجد حسوني دراجته بغتة كمن كان قد اكتشف أرضا جديدة، وصاح بصوت غريب لم يسمعه الطفل من قبل: هل ترى يا ولد؟ هنا كانت الكردواله! الكردواله العجيبة، وهنا كان الهنود يحرقون موتاهم: يحملون الأجساد الباردة إلى النار. لماذا يفعلون ذلك؟ وما أدراني هل أنا هندي؟! أنت تعرف الهنود طبعا ولكن: هل تعرف ما الموت؟ لا؟ ماذا تعرف عن الدنيا إذا؟
في الأصل كانت هنا بقرة من خشب كبيرة يتحلق حولها الهندوس كل ليلة يقرأون لها الأدعية ويعظمون شأنها حتى صنعوا لها تمثالا من خشب الأبنوس. ماذا يعني الأبنوس؟ غير مهم الآن. وحينما حاول بعض المتشددين المسلمين هنا في ماركين إحراقها لم ينالوا إلا من الساق الأمامية فقط. بقرة خشب عنيدة، وهبّ الهندوس للدفاع عن إلههم حتى استطاعوا طرد المهاجمين عن إلههم. أنت تعرف يا كاظم ماذا تعني كلمة إله؟ لا تعرف؟ يا للخيبة! ولد لا يعرف الكثير: الله الله الموجود في السماء دائما الذي يراقبنا الآن ونحن على أرض الكردواله، هل تفهم؟أنا كنت مجرد صانع نجار بثلاثين فلس يوميا. هل تعرف ماذا يعني أن يكسب الرجل ثلاثين فلسا في اليوم الواحد؟ كنا نقف طابورا كلّ يوم من اجل ذلك. لأراد لنا الله ذلك. فهمت؟ لا أظن ذلك أنت تهزّ رأسك كلّ مرة يا كاظم ثم تعود مطيا صغيرا كما كنت سابقا. بماذا تريدني أن أصفك أيها الولد؟ آه أنت تحب المطايا. هذا شيء جيد يكره المطايا أناس كثيرون لكنهم لا يحسنون ما تحسن بكلّ تأكيد. غير رأيك في المطي، وابحث عن حيوان آخر له قدمان طويلتان ورأس بشري ويتكلم بالنحوي!
أعرفه أنه قادم
أراه في أفق الكردواله
ربما يشبه الإنسان قليلا
لكنه غير بشر
صنعوا له ما يكفي من التماثيل
كانوا هندوسا أكثر من الهندوس
في إلههم
الجديدهنا صنعت للهندوس قدم إلههم العظيم البقرة فمنحوني بعد ثلاث ساعات من العمل المتواصل ثلاثين فلسا أجرة يوم كامل. حسنا فعلت إني أعدت الحياة إلى إله الهندوس يا كاظم. لكن أهلي من "السيامر" أنت تعرفهم جلهم من عرب (المدَيْنة) خرجوا عليّ بالشوامي والفالات والقضبان الحديد والجواكيج ونعل الشطره وصاحوا: أيها المارق أيها الكلب هل تعرف ماذا فعلت بدينك؟ ثم أمروني بأن القي الثلاثين فلسا إلى شط المعقل لأنها فلوس (حرام) فكيف يمكن لمسلم أن يعيد الحياة إلى إله الهندوس؟ا
نظر يا كاظم هنا كانت المحرقة وهنا كان يجمع رماد الميت لم يبق من الإنسان غير شيء قليل بعد أن تأكله النار؛ النار يا ولدي تأكل كلّ شيء تقريبا أنت تحب منظر النار؟ ربما تتعلم منه شيئا: يتحول الإنسان إلى رماد متطاير بسرعة وسط احتفال مهيب ودقّ طبول ورقص. هكذا هم السيخ والهندوس وأمم غيرهم لا نعرف بم يؤمنون: المهم أن يؤمن الإنسان بشيء (ما) من اجل تسليته في هذا العالم الموحش الذي نعيش. وما الإيمان؟ اوووه إنها مشكلة عويصة قد يبلغ عمرك السبعين وأنت لا تعرف ما هي؟ طبعا أنا لا اعرف ما هي يا كاظم، أيضا: مشكلة.
الكردواله: معبد للهندوس(1)
ماركين: المعقل باللهجة الدارجة(2)
الكولاك: الإقطاعيون الروس قبل ثورة أكتوبر 1917
كلمة عائلة الراحل في الذكرى الاربعينية لرحيله و الذي اقامه اتحاد ادباء البصرة في قاعة" محمود عبد الوهاب واداره الكاتب جاسم العايف والقها نيابة عن العائلة الشاعر"احمد جاسم محمد"
الموت في الوطن هو ما أرغب فيه
الدكتور صلاح كاظم الأحمدي
كان الفقيد الراحل أبا رائعا ..كرس حياته لمتابعتنا وأحاطتنا بكل انواع الدعم والرعاية ، حاثا أيانا على التوجه نحو تحقيق تطلعاتنا واحلامنا المشروعة مكرسا في ذلك خزينه الفكري والاخلاقي وعمق ادراكه في صقل شخصياتنا وبناء الثقة بانفسنا وبمستقبلنا .
بالطبع لا أستطيع أن أفي والدي حقه بهذه الكلمات لأنني لم أرث عنه تلك اللغة العميقة والعذبة التي يتميز بها في كتاباته .
لقد كانت الثوابت والقيم الاصيلة متجذرة في روحه ولم يحد عنها طوال حياته فهو ليس من الذين يغلفون أنفسهم بأغلفة زائفة .
أليس هو الذي قالمايضيفه الجسد الى تربة الارض أفضل مما تضيفه تربة الأرض الى الجسد ، فالموت في الوطن هو ما أرغب فيه ولا نية لي بالتمتع بالحياة بعيدا عن الوطن. ان حرية الانسان أوخلوده أن لم تزرع في تربة وطنه فلايمكن ان تنمو في مكان آخر أبدا) .
لقد صارع والدي المحن الكبيرة التي مر بها ولم يتخل عن أيمانه بالله سبحان وتعالى وبقدره وفي اللحظات الاخيرة من حياته وبينما هو ينازع الموت طلب أن يسندوه ليصلي ..هذا هو الرجل الفذ الذي سأتباهى به الى يوم الدين.
سيرة القاص والروائي كاظم الأحمدي
- ولد في البصرة عام 1944 .
- أنهى دراسته الأبتدائية والمتوسطة والأعدادية في البصرة ، وتخرج في كلية الآداب / جامعة بغداد عام 1969 .
- عمل مدرسا في عدد من مدارس البصرة .
-مؤلفاته:
1- هموم شجرة البمبر - قصص-النجف 1975.
2-طائر الخليج-قصص-دار الحرية/بغداد 1976.
3-غناء الفواخت-قصص-دار الحرية/بغداد 1980 .
4-شواهد الازمنة -قصص-دار الشؤون الثقافية/بغداد 1986.
5-امس كان غدا -رواية -دار الشؤون الثقافية /بغداد 1992.
6- تراص الأنا-قصص-دار الشؤون الثقافية/1996 .
7-نجيمات الظهيرة-رواية-دار الشؤون الثقافية/2001.
8- تجاه القلب- رواية-دار الشؤون الثقافية/بغداد 2008 .
-من مخطوطاته:
1-أختيارات أولى-قصص مع مقدمة في الكتابة القصصية.
2-قصر الأزلزماني-رواية.
توفي في الثلاثين من حزيران 2008 عن عمر ناهز الـ(64) عاما.


    الوقت/التاريخ الآن هو السبت 21 أبريل 2018, 1:57 pm