۩۞۩۞ شبكة رونق الحرف ۞۩۞۩


زائرنا الكريم : انت غير مسجل في المنتدى او لم تسجل معلومات الدخول بعد فرجاءنا منك التسجيل اولا للمشاركة في المنتدى وان كنت تريد القراءة فقط فدونك اقسام المنتدى اهلا وسهلا بك...
يا ضيفنا لو جئتنا لوجـــدتنا ....نحن الضيوف وانت رب المنزل



آخر المواضيع






<div style="background-color: none transparent;"><a href="http://www.rsspump.com/?web_widget/rss_widget/twitter_widget" title="web widget">Twitter Widget</a></div>



قراءة في رواية "قنديل باب المدينة" لعبد القادر بن الحاج نصر

شاطر
avatar
Admin
الاداريون
الاداريون

رسالة sms رسالة sms : نرحب بكم ياكرام

عدد المساهمات : 207
تاريخ التسجيل : 03/10/2009
الموقعhttp://adeladel.ahlamontada.com

قراءة في رواية "قنديل باب المدينة" لعبد القادر بن الحاج نصر

مُساهمة من طرف Admin في السبت 17 أكتوبر 2009, 4:13 am


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
لهيام الفرشيشي
شخصيات سلبية وغائمة الملامح

لئن نشر الروائي عبد القادر بن الحاج نصر روايته "قنديل باب المدينة" في أواخرالتسعينات من القرن الماضي ، فإن زمن القصة يقترن في الرواية بالأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تونس إلى مرحلة ماضية ، ويمكن تحديدها من خلال بعض القرائن التاريخية فهي تمتد من السنوات القليلة التي سبقت الاستقلال إلى السنوات القليلة التي تلت تجربة التعاضد ، ولكن الكاتب لا يلتزم زمنا خطيا في تصعيد الأحداث ، فهو يلتزم بزمن القص ، أما زمن السرد فقد اتخذ بعدا تذكريا وقد جاء متأخرا كطائر منيرفا ليكتب أدب الخيبة . ورواية "قنديل باب المدينة" لم تشذ عن روايات الكاتب فهي تعكس أدب الأزمة ، وتفوح من أدب الأزمة هذا روائح الهزائم العربية .
الكاتب عبد القادر بن الحاج نصر ما هو إلا مثقف عاش خيبات سياسية متلاحقة في عشرية الستينات من القرن الماضي حيث فشلت سياسة التعاضد في تونس وعرف العالم العربي خيبة النكسة . يعود الكاتب إلى وطنه وشعبه لينتقي بعض النماذج التي تعبر عن مجتمعه ويوجه "قنديل باب المدينة" نحو الداخل التونسي . وفي عملية انتقاء الشخصيات يكرس نماذج غير إيجابية وغير بناءة ، قاتمة الملامح ، جامدة أو متعثرة الخطى في واقع سياسي تراوح بين الانغلاق في زمن الاستعمار والانفتاح في زمن الاستقلال ، فالانغلاق في مرحلة التعاضد . وقد قسم الانفتاح بدوره ظهور الشخصيات المسحوقة . لتبقى الشخصيات مجرد نماذج تشكل الانكماش والانهزامية . ولو عدنا إلى الإطار الزماني للرواية ، لوقفنا على ثلاث أزمنة متتالية تتراوح بين الانفراج والانغلاق تختزلها حركة الشخصيات .
عمــــــــار
عمار الذي تراءى منذ بداية الرواية " يجلس في الصف الأول على اليسار " ص9 ، وطغى إعجابه بالسيدة ماتيلد " أستاذة الفرنسية مما أدى إلى فصله عن المعهد ، هو يمثل اليسارية المستلهمة من جذور اليسارية "الاشتراكية " الفرنسية ، فثمة شفرة مزدوجة للغة وهي ترمز بشفافية إلى ميول يسارية لعمار وصديقه عثمان وقد تجسسا على جسد الأستاذة بحركة غير لائقة ...
عمار الذي تزوج بسعاد قريبة عثمان هو عمار الذي فقد حضوره وملامحه وأضحت صورته غائمة وهو يسافر إلى جنوة ولا يعود إلا فاقدا لذاكرته واندفاعه ، حيث يجسد الكاتب صورته في ميناء جنوة يشاهد من الواجهة البلورية تموجات البحر وبعض الزبد والأضواء الخافتة لسفن هائمة . صورة لا تعني سوى الانشطار والسقوط وبصيص وهم خافت لا وجهة له ، حالة قد لا تؤدي إلا إلى العودة إلى نقطة الانطلاق في دائرة مغلقة مكررة " السفن تحط الرحال وتقلع ، والنوارس تدور على بعضها تحت الغيوم " ص10 ، فلا مكان تحت الشمس لحركة الارتداد والعودة بل ثمة تمثل للغائب بنكوسه وبتجليات خيباته ، حيث تغيب الذاكرة من السفر إلى الماضي حين لا تكشف إلا على وجهه الاجتماعي المزري حين كان عاطلا عن العمل ، وحيث يرى زوجته في الضفة الأخرى تنبض بعشق إبن خالها عثمان ، يهمس أحزانه للبحر ويفتعل النسيان ، لكن مصيره لم يكن سوى الخبل ، فقد عاد من جنوة عودة نهائية في صورة معتوه في حالة هوس وخلط بين الصور والأسماء إثر تعرضه إلى حادث ارتطام السفينة بالصخر فرمى نفسه في البحر لإنقاذ غيره في حين أن مصيره لم يكن سوى " التيه أو الإصابة بالجنون أو المغادرة " .
عمار الذي قام برحلة إلى الضفة الأخرى بحثا عن صورة مشرقة ، وعن تلك الجنة المفقودة ، بدا لنا ومنذ بداية الرواية في حالة التيه الذي يؤدي للخيبة ، الخيبة بكل تجلياتها الفكرية والعاطفية والجسدية . فلم يكن مصيره أرفع من طيور النورس وهي تنتقل من مكان إلى آخر ، ومن بحر إلى آخر ، بل تجسد هاجس الرحيل المقترن بغياب الاستقرار، بين السكون والبحث عن الأمن . فصورة عمار العائد في حالة من الجنون ، هي صورة للصدمة التي أدت في النهاية إلى الفضاء المغلق . لذلك تمثل البحر كعلامة لعدم الارتواء . فحركة عمار دائرية منذ البداية عند انفتاحها على البحر إلى العودة إلى عمارة هي استعارة لمجتمع يكاد ينغلق لولا بعض المسارب المفضية للخارج : " البناية منطوية على من فيها . أضواء قليلة شبه خافتة تنبعث من بعض النوافذ كل على حدة . كل منطو على مشاغله الخاصة إلا المعابر والغرف والدرج الذي يربط أسفل البناية بأعلاها فتجمع بينها " ص11 .
لقد فقد عمار المعتوه سند الرحيل ، وتأزم وارتج ذهنه حد الانزلاق في أوهام الذات المتقوقعة ، فقد حركة مواصلة الرحلة ولم يبق له سوى الإطلالة على واقعه المتأزم من خلال شقوق المجتمع . وقد برز خروجه إلى ذلك المجتمع الذي خرج من تجربة التعاضد ودخل مرحلة الانفتاح ، ولكنه خرج في صورة كاريكاتورية تدعو إلى الرثاء . " خرج عمار إلى الناس يتجول في نهج المر ، مرتديا تبانا قصيرا وعليه معطف طويل ، وعلى رأسه قبعة مزركشة ، لفت انتباه المارة ، وأصحاب الدكاكين ، أحاطوه بنظرات استغراب تحولت تدريجيا إلى نظرات سخرية ، تفجرت على إثرها الحناجر بالضحك والقهقهات ، ثم هدأ الفضول وهدأت السخرية . أما الأطفال فقد حاصروه فقابل سخريتهم بسيل من عبارات تدور على نفسها : " اش اشتراكية ، اف يا انفتاح " .
" كان الزمن ينشطر إلى نصفين أوله ماض قريب ، تنفس فيه صغار الفلاحين والتجار الصعداء إذ عاودهم الحلم باسترجاع أراضيهم التي انصهرت في التعاضديات ، وحرموا لسنوات من راحتها ، وحين تحقق الحلم زحفوا على أراضيهم يقبلون ترابها ، ويتعهدون حدودها ، والشطر الثاني هو إصابة الأسواق بالحمى ، فقد أخرج المستثمرون والتجار والأغنياء أموالهم من تحت رؤوسهم ومن الصناديق الخشبية ، ومن اللفائف ، وزحفت موجة الانفتاح على الدنيا والناس ، نفش رجال الأعمال والمال والسماسرة ريشهم ، وانتفخت بطونهم ، ومشوا في حركة انتصار ضد الزمن القديم " ص 96 .
حركة عمار توازي حركة انغلاق المجتمع على ذاته في تجربة التعاضد حيث حتمت الرؤية السياسية تبني الرؤية الاشتراكية التي لم تنسجم مع تركيبة المجتمع التونسي ، فمنيت بالخيبة والفشل ، وأدت نتائجها الوخيمة إلى الانفتاح ، فصارت الذات الفردية هي التي تحدد أهميتها ودورها في المجتمع . وقد تحددت الفترة التاريخية التي عاد لها الكاتب وهي نهاية الستينات حيث انهارت تجربة التعاضد بعد عشرية قاسية .
وحركة عمار في الرواية قد تتنافذ مع رؤية الكاتب القاتمة للأحداث ، فحركته التي تراوحت بين الرحيل والعودة المتقطعة ، فالعودة المطلقة لم تنسجم مع حركة المجتمع المتجه نحو تجربة الانفتاح . وفقدانه لمداركه العقلية حتم فقدانه للفعل وحتم خروجه المطلق عن نظامه العام ، فقد أضحى يعيش على هامش المجتمع ، وعلى هامش الحركة التاريخية ، وعلى هامش الفعل ، فهو صورة صارخة للأزمة اليسارية والتي لم تفقد جذورها الضاربة في المجتمع في مرحلة الانفتاح ، فحركة شخصية عمار حركة ضدية لمجتمع حركي وديناميكي .
فعمار الذي يجول المدينة طولا وعرضا بلباس غريب خليط رياضي عربي افرنجي ، والذي يغلق على نفسه الباب أثناء النوم ، وتراه زوجته من ثقب الباب محاطا بأوراق كثيرة وهو يخط عليها بإصبعه ، ويمعن فيها النظر ثم ينساب في نهج المر يحرك يديه ورجليه ورأسه ، ويتكلم طولا وعرضا ويرفع جبهته إلى فوق ويخفض رأسه ، ويمشي مشية رياضية عسكرية .. ولكنه يردد شعارات ذات رائحة سياسية نشتم فيها معاينة الواقع في غياب القدرة على الانغماس فيه " إلبس شاح ، وافرح يا فلاح ، المطر ذرت ، اف يا انفتاح وازهى يا فلاح " ص111
وهو يغير شعاراته كما يغير ملابسه ليبدو في هيئة غريبة " اش اشتراكية ، والي حرقت الضوء يعطيك حرقة ، اف انفتاح ، والي حرقت الضوء يعطيك حرقة " . جمود وصمت ونظرات مرعبة قد يلتمس منها المجتمع خطرا ما " أكد أحد الباعة أنه رآه من نافذة قطار الضاحية الشمالية يتجول حذو ميناء تونس ، على حافة بركة ماء ، ومعه شخص آخر يرتدي لباسا محترما قد يكون موظفا أو من علية القوم " ص112 . ومن ثمة تنفتح شخصية عمار على أسئلة عديدة تشير إليها الرواية تاركة للقارئ ربط أزمة عمار بقضايا أكثر جدية ...

سـعــــاد
تلك المرأة الشابة التي تعيش في الطابق الأعلى لبناية الناجي ، امرأة نافرة ، هائجة الجسد ، تضع البخور في الموقد دون أن نتجح في ترويض عثمان إبن عمتها ( ابن الناجي ) ودون أن تقوى على ايقاد جذوة حياتها . فقد فقد زوجها عمار بوصلة الرحيل عند رحيله وعودته ، ليبدو متقوقعا داخل قوقعته . وهي ترى في زوجها الذي عاد مجنونا معتوها " الانفجار في وجه آلة المجتمع : الانفجار هو انفجار تحدثه الصغوطات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية " ، إنه وجه للمعارضة وما ينتظرها من مستقبل مأزوم " . " المعارضة مشروع عمار إذا لم تتغير الأحوال " ، ولكنها في المقابل ترى في عثمان في صورة الانتهازي النرجسي الذي فضل الصمت في وجه الأزمة فهو " ذئب متخف في جلد خروف ، شخص مهزوم كأنه مومس متقاعدة " ص181 ، إزاء الحركة الارتدادية والانفصالية مع الآخر المتأزم في عمارة تعيش على بقايا الماضي .فاختارت الخروج والانفتاح على الواجهات وعلى حركة الناس وكانت وجتهنا النزل كواجهة سياحية مفتوحة على النقيض من البناية التي يحرسها الناجي برجلين مشلولتين وكرسي كثر أزيزه يجسد ثقل الماضي وثقل الحركة .
وفي المؤسسة تكلف بمهمة سرية وهي التجسس على المعارضة والألوية التي يتحركون تحتها والشعارات التي يرددونها والأماكن التي يجلسون فيها ، لينتهي بها المطاف لارتقاء سلم المؤسسة حيث دعاها المسؤول السياسي الكبير لتصبح كاتبة سر . وانتقلت للعيش في عمارة بالمنزه ، وقد كان تأزم عمار وانغلاقه هو الدافع لخروج سعاد التي ساهمت في خروج المجتمع من دائرة الانغلاق .
النـاجـي
الناجي صاحب البناية والذي فقد رجليه في حادث ، فقد خرج من دائرة الفعل ومن دائرة الأحداث والزمن يدور دائرته العبثية وهو يستجمع خيباته بدءا من الاستقلال حيث عاش نظاما أبويا صارما قيد حريته في الاقتران بكريمة الحوت ، لذلك تثقل حركة هذه الشخصية ثقل الماضي وثقل الخيبات المتلاحقة ، خيبة الحكم الأبوي إثر الاستقلال ، وخيبة تجربة التعاضد .
الناجي الذي عاش في أحد أنهج باب منارة الخلفية ، يمتهن طوال حياته بيع الخضر والغلال ، يبدو رجلا طيبا ، يردد دائما " الاستقلال نعمة في حياة الناس " ص7 ، ومنذ أن شلت رجلاه وصار أسير الكرسي المتحرك أمام دكانه الذي يدر عليه الرزق الوفير ، صار الأمين على البناية إلى حين يطمئن إلى عودة جميع ساكني البناية مساء ، تلك هي الصورة الواقعية للناجي ، أما المغزى الرمزي فهو تصور الناجي كأمين على خارطة الوطن التي تطهرت من دنس الاستعمار . فقد اندرج من سلالة عائلة مناضلة ، وقد كان طالبا في جامع الزيتونة ، سرعان ما استبدل الدرس بزجاجة الخمروالمرأة - الغواية كريمة الحوت ، تلك التي كانت تعمل خادمة بمنزل موظف القنصلية الايطالية . فلم يرتق إلى مرتبة الشيخ الجليل يلبس الجبة والعمة " ص 79 ، وساعد والده في التجارة . الناجي وهو يسترجع أحداث الماضي ويتقدم بكرسيه المتحرك نحو النافذة ، طلب من زوجته ان تفتحها على مصراعيها ليتصفح ذلك الزمن البعيد (قبل الاستقلال) و " لكنه خرج من دائرة الأحداث ، فاقدا القدرة على ان يكون الناجي الذي يريد " ص42 . فالناجي قد خرج من دائرة الفعل منذ شبابه الأول حين اغتصب كريمة الحوت ومنعه والده المناضل من الاقتران بها لأن والده من الناس الشرفاء الذي عاش واقعة الزلاج ، حيث كانت الجالية الايطالية أشد على المتظاهرين من جنود الاحتلال وطالما تظاهر معهم : " أقص عليك قصة الهلاليين مع بلدك ، أحكي لك أطوار المعركة بين خليفة الزناتي ، وذياب الهلالي ، لقد دخلوا تونس ، اغتصبوها ثم أرادوها وطنا . لكنهم مروا ، لا شيء أعز على الإنسان من الوطن ، الوطن لا يغتصب أبدا لذلك ذهبوا ، مات أبو زيد علي ذياب ، ومات ذياب بطعنات أثناء العشيرة ثأرا لبوزيد ، واندثرت الجازية ذات الشعور الساحرة . ماذا إذا ذهبت كريمة الساكت ؟ كريمة الساكت ليست وطنك ، لو كانت وطنا حقيقيا لما استطعت التخلي عنها مهمااعترضت أنا " ص55-56 . فلم تكن أحداث الماضي أرفع من شلل رجليه في الحاضر ، فالماضي والحاضر مسافات زمنية لا تدلل إلا على سلسلة الفعل : استبدال المعرفة باللامعرفة ، استبدال اليقين بالملذات ، واستبدال العلاقات الشريفة بالعلاقة المحرمة . فهو على عكس أبيه بدا على هامش الأحداث لا تعنيه كلمة الشرف " لم يذق شيئا ، ولم يحس بالجوع ، لم يغادر مكانه ، ولم يجد القوة للخروج من دائرة السجن التي أقامها بنفسه " ص57 .
الناجي يعيش حاضره مع هزيمة الماضي ، مع الإبن الضائع ، فقد فقد إبنه من كريمة كما فقد السيطرة على الفعل والحركة . فالزمن يدور دورته العبثية وهو يستشعر الفراغ واللاشيء والهزيمة وهو يبحث عن إبنه كمن يبحث عن سراب : " غفا الناجي واستيقظ ، نظر أمامه ، كان المشهد غائما ، متحركا ، لقد فقد حدة النظر منذ سنوات ، أكداس الحزن والدموع المتوحشة التي لا يستطيع التحكم فيها ، والأمل الذي ينتهي إلى لاشيء ، وبسمة الرجاء التي ترتسم في الأفق كلما تخيل أن ولده من كريمة يعيش العز ، والرخاء ، وأنه من صلبه ولحمه ودمه ، والله شاهد على ذلك ، وأنه ملاقيه ذات يوم " ص93 .

فحركة الناجي ثقيلة ثقل الماضي الأشبه بالحاضر ، والبحث عن أمل الماضي ما هو إلا سراب وخيبة ، الذات خاوية ، والمجتمع متكتل ، قادر على تجاوز الخيبة تلو الخيبة ، خيبة الاستعمار وخيبة تجربة التعاضد .
إن الناجي الكسيح هو شخص مسنود من اتحاد العمال لأنه كسيح وفاقد للفعل ولا فائدة من الإضرار به وهو مسنود من الأولياء : " ثم يتوقف به الكرسي أمام ضريح الولي الصالح " ص 176 .
عثمان
عثمان هو إبن الناجي وهو شخص خجول وحالم ، مأزوم ومهزوم ، يعيش منزويا في الظل ، ولا يخالف الأعراف والقوانين . هو أنموذج للشاب المكبل بعقد الماضي القريب . المتقوقع الخاضع للأحداث رغم امتلاكه لشهادة علمية . فهو لا يرى في هذا المجتمع الذي مر بتجربة التعاضد إلا انفتاح لبناية كبيرة تدجنه وتسلب حريته لذلك يقرر الرحيل والاختفاء وراء البحر : " لن يعود وإن برأته المحكمة . السجن سواء . في بيته أو خارجه ، أو في أي مكان ياوي إليه يشعر بأنه سجين . لا طعم للحرية ، ولا لون للدنيا " ص172 ، فالاختفاء وراء البحر لسنوات أفضل من السجن .

كريمة الحوت
هي إمراة تدرجت من وضعها كخادمة عند موظف القنصلية الايطالية إلى حرم تاجر جريدي (حمة) الذي استفاد من علاقته ببدرة الثاني المسؤول السياسي الذي يتكيف حسب الظروف ، فكان يصول ويجول من خلال التجربة الاشتراكية ، فتجربة الانفتاح . هي إمراة تجسد رمزا من رموز الانفتاح بعدما كانت تعيش في ظل مجتمع ذكوري - استعماري لا مجال للعاطفة فيه ، فقد أفقدها شرفها ولم يقو على انتشالها . وهي بذلك تستخدم وضعها المنفتح للانقضاض على الماضي . وكان زواجها ردة فعل على تلك الخيبة قبل الاستقلال ، فقد جاء الاستقلال لتحصينها ولرد كرامتها ، فتزوجت ، و" سارت في ركب الأيام تحمل أحلاما عريضة أثمرت الزيجة بتنامي مدار الحركة " ص34 ، كم أنها تغيرت بتغير وضعها من صاحبة دكان لبيع العطور ورثته عن جدتها إلى صاحبة مغازة كبرى في الشريان الحي بباب بحر . وهذا التغير السياسي الذي جعل حمة يطلق زوجته ليقترن بها احتراما لحقوقها القانونية ، وهذا التغير الاقتصادي المتجه نحو الرخاء أدى إلى التغير الثقافي والاجتماعي : ففي حين كانت تلف جسدها بالسفساري صارت تتعمد الخروج مزيحة السفساري من على صدرها ، كما أنها فقدت القيم الاجتماعية التي بليت في نظرها وهي قيم النبل والوفاء . إنها تتغير كما تتغير الأسواق ، وأشكال اللباس فالحاضر حتى وإن كان غائما أثناء تجربة التعاضد ، فهو لم يؤثر سلبا إلا على الصغار الذين لا علاقة لهم بقوى الحكم السياسي . فالكساد في الأسواق وانتزاع الأراضي والأملاك من أصحابها ما هي إلا سياسة تلفظ انفاسها ، لكن الحاضر حتى وإن فتح لها آفاق الحركة والتغير فقد فقد وهجه حين لم تنجح في الانتقام من الناجي بسحب رخصة دكانه نظرا لجذوره الضاربة في اتحاد العمال على رأي المسؤولين ، ولم تنجح في إدخال إبنة عثمان إلى السجن إثر تلفيقها له لتهمة اغتصاب إبنتها ريم ، ولم تنجح في استئصال جذور الحمية الوطنية من وجدان زوجها فتآمرت عليه وأدخلته السجن .

ريم الحوت
على عكس الأم فقد جسدت ريم لب الحركة وقيم العاطفة والوفاء بعدما زجت بها في قضية التغرير بها ... إنها تناى عن نفسها أن تدفع ضريبة الماضي ، وتتردد حركتها بين الإذعان لسلطة الأم وتقويضها ، والإذعان للعاطفة وتكبيلها بالخوف إلى التعبير عنها وتفجيرها . الإذعان إلى الأمر الواقع والهروب من رقابة الأم . والسفر والالتحاق بعثمان إثر خروجها من الصراع : " أأذعن لمشيئة أمي ، أو لا أذعن ؟ أأ ستجيب لنداء قلبي أم أكتم النداء ؟ أأبتعد عن مسرح الأحداث تماما ؟؟ . أأحاول أن انسى وأنتحر ؟ أأواجه المرحلة الجديدة بالصبر والسلوان ؟ هل يموت عثمان في شراييني في لحظة واحدة ؟ أأدفع أنا ضريبة الماضي ؟ " ص 120 .

حمة
حمة الذي اتكأ على القانون إثر الاستقلال فأعطاه حق التحرر من القيد ، فتحرر من زوجة فرضتها التقاليد وتزوج بإمرأة جديدة احتفاء بالاستقلال ، وواكب المشروع السياسي الحديث فاستقر بالحاضرة حيث التغيير والتزويق ، ولم تطله الآلة الكبيرة الجامعة للأملاك أثناء تجربة التعاضد لأنه من كبار المالكين ، لكن مكاشفته لذاته وماضيه جعلته يركن في آخر الرواية إلى السجن الذي كان من الضروري الركون إليه ليجدد حركته .

بدرة الثاني
هو مثال للسياسي المتعلم الذي درس الحقوق والعلوم السياسية بفرنسا ، عاد إلى الوطن قبل الاستقلال بسنوات ، وفي الشهور الأولى للاستقلال صار وجها معروفا ، يتسم بسلوك الساسة وأهل الذوق وله إرث كبير يوسعه ويزيد فيه . وهو يرجع كل الظروف لقرارات سياسية ينفذها فحسب ، يغير مبادئه السياسية بسرعة ، فهو اشتراكي متحمس ، فانفتاحي موال للنظام الفرنسي ، فرأسمالي يرى في التعامل مع السياسة الأميريكية أحسن ضمان لازدهار العالم ، إنه الإبن البار للنظام في كل زمان ومكان . وهو بذلك يكون قد جنى صفقات تجارية على الضفاف الفاصلة بين الاشتراكية والانفتاح من خلال التقارير التي كان "حمة" يزوده بها أسبوعيا عن أحوال الناس وردود فعلهم وبوادر ثورتهم ، لكنه تنحى في آخر الرواية ، بعدما أفلس سياسيا ، ووشت به كريمة الحوت إلى بدرة الاول .

بدرة الأول
لئن كان بدرة الثاني هو الأبرز في دفع أحداث الرواية ، فبدرة الأول الذي ظهر في فصل صغير مقتضب هو مثال للطبقة الحاكمة ، تفكيره بورجوازي ويعيش في بهرج ورخاء ، فالاشتراكية في رأيه لعبة قذرة تمارس فقط على الطبقة التي لا أنياب لها ولا أظافر . في حين أنه كمشرف على التطبيق ، فقد جعل الأثرياء خارج دائرة التجارب ، وسعة نفوذه قد تخول له عدم التعرض إلى العاجزين على الفعل على غرار الناجي ، فالمواجهة معهم تفقد معناها ، والناجي لم يكن طرفا في المواجهة .

رؤية الكاتب

إن تفحص الواقع السياسي والاجتماعي ما جعل الكاتب يوجه شخصياته نحو السجن ، أو نحو المجهول وراء البحار حيث المصير مبهما بدوره ، وقد يستوي مصير عثمان وريم بمصير عمار الذي عاد معتوها من وراء البحر ، سيما وأن هذا الرحيل مسنود إلى العاطفة التي تدعو للشك والحيرة . وكأن الكاتب يعلق أسئلة المجتمع ويؤجلها إلى حين . فشخصيات هذه الرواية لم تخرج عن شخصيات روايات عبد القادر بن الحاج نصر الاجتماعية السابقة ، دون أن نلمس بصيص أمل يحور هذا التوجه بخلق شخصيات ايجابية قادرة على التغيير الايجابي .
" الكاتب لا يخلق شخصيات تقود المجتمع إلى الفساد أو التأزم الاجتماعي والسياسي والثقافي ، الشخصيات تعكس واقعا موجودا .. فإذا كان هناك فساد في قطاع معين فليست شخصيات الرواية التي تعمقه وتنميه . الرواية لا تصنع مجتمعا ، ولكنها تعيد بناء مجتمع بطريقة أدبية فنية . الرواية ليس من مهامها وضع حجر الأساس لمجتمع فاضل أو منقلب على المبادئ والمثل ... لو كان بإمكان الرواية صنع المجتمعات لكنت بين الروائيين الذين ساهموا بغزارة في هذا المشروع . في روايات فكتور هيقو وفلوبير ومرسال بروست وهمنجواي ونجيب محفوظ وكامو وسارتر وإحسان عبد القدوس وما كتبه المسعدي والبشير خريف ورشاد الحمزاوي ورضوان الكوني وحسن نصر .. كل ما فعل هؤلاء أنهم انطلقوا من داخل مجتمعاتهم ، واستندوا في كتاباتهم على ما عاشوه أو رأوه من حالات مختلفة ، وما قرأوا من معاناة على ملامح الناس ، ثم رسموا للقارئ صورة المجتمع التي لم يرها ، أو لم يفهمها . شخصيات الرواية لا تفسد مجتمعا . ولكنها نماذج لشخصيات قد يكون لها شبيه فيمن يهب ويدب في فترة من الزمن بعينها وعمقت أو فاقمت كما تقولين أزمة المجتمع عبر الانسلاخ عن القيم الثابتة وتعويضها بالقيم الاستهلاكية ، هي شخصيات لم يأت بها الكاتب إلى المجتمع وزرعها في خلاياه إنما التقطها من داخل محيطها وأعاد بناءها . هل تتصورين يا سيدتي لو أنني صورت شخصيات افتراضية ذات إنجازات بطولية اقتصادا واجتماعا وأخلاقا وقدمت من خلالها مجتمعا نظيفا متوازنا متكاملا هل سيصح ذلك في الواقع ؟ هل ستشهد الدنيا ثورة على الفساد والتنفذ الخاطئ ؟ "
إن سمة الأدب المتأزم أو أدب الخيبة هو انعدام الحركة عبر الرحيل أو العودة ، والعودة إلى المجتمع تبدو فاقدة للجدوى . فسمة هذه الرواية هي السير في طريق المجهول ، كما غابت الاشتراكية الواقعية عن هذه الرواية لأن الرواية لا تجسد نكسة المجتمع في مرحلة التعاضد فحسب بل نكسة الرواية الواقعية الاشتراكية في " الحياة الأدبية والفنية في كثير من البلدان العربية" وهي تتميز ب " ندرة النماذج البشرية البناءة وطنيا ، وقوميا ، وإنسانيا ، فهو يزخر بنماذج قاتمة ، مضطربة ، لا تملك إرادة البناء " (3) . كما أن توقيت نشر الرواية (1999) ، قد لا يعدو مساندة فعلية لمطالب الجماهير في تلك الفترة . لتأخذ الرواية على عاتقها التأريخ الفني لتلك الفترة ، وبذلك فهي تفقد ثقلها الإيديولوجي وتصبح إدانة مقنعة لخيبة المثقف الذي لم يتمكن من الإفصاح عن رؤيته في تلك المرحلة التاريخية ، دون أن نشتم منها روائح اشتراكية ما تساند الطبقات المسحوقة ، حتى الشعارات المرفوعة فيها فهي نابعة من عقل عمار المأزوم المعتوه الباعث على الريبة ، وبذلك تعد هذه الرواية تاريخية دون أن تلتزم بضوابط علم التاريخ ، وهي ترصد التحولات الإجتماعية في فترة ما من تاريخ البلاد التونسية .
(1) قنديل باب المدينة ، رواية ، عبد القادر بن الحاج نصر ، سوتيبا ، ط2 ، 2002
(2) حاورته هيام الفرشيشي ، الملحق الثقافي لجريدة الحرية التونسية 23 أفريل 2009 ، العدد 1012 ، ص4
(3) من قضايا الفكر ، الحبيب الجنحاني ، الشركة التونسية للتوزيع ، 1974 ، ط1 ، ص103


    الوقت/التاريخ الآن هو السبت 20 يناير 2018, 9:03 am